أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
388
أنساب الأشراف
قدمنا على الحجاج البصرة ، وقدم عليه قرّاء من المدينة من أبناء المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . وقراء من قراء أهل الشام وأهل الكوفة ، فدخلنا عليه في يوم صائف شديد الحر وهو في آخر أبيات فدخلنا البيت الأول فإذا الماء قد أرسل فيه الثلج والخلاف ، ثم دخلنا البيت الثاني فإذا فيه من الثلج والخلاف أكثر مما في البيت الأول ثم دخلنا البيت الثالث فإذا فيه من الماء والثلج والخلاف أكثر مما في البيت الثاني ، قال : وإذا الحجاج قاعد على سريره ، وعنبسة بن سعيد إلى جنبه فدخلنا فجلسنا على الكراسي فما خرجنا يومئذ حتى قررنا ، ودخل الحسن آخر من دخل فقال الحجاج : مرحبا بأبي سعيد ، إليّ . ثم دعا بكرسي فوضع إلى جانب سريره فقعد عليه الحسن ، فقال : اخلع قميصك فجعل الحسن يعالج زرقميصه وأبطأ بنزعه فطأطأ الحجاج رأسه إليه حتى قلنا إنه يتعاطاه بيده من لطفه به وإقباله عليه ثم جاءت جارية بدهن حتى وضعته على رأسه ، وما صنع ذلك بأحد غيره ، فقال له الحجاج : ما لي أراك منهوك الجسم لعل ذلك من سوء ولاية وقلة نفقة ألا نأمر لك بخادم لطيف ونفقة توسع بها على نفسك ؟ فقال : إني من الله في سعة ، وإنّ عليّ لنعمة ، إني منه في عافية ولكن الكبر والحر . وأقبل الحجاج على عنبسة فقال : لا والله ولكن العلم باللَّه ، والخوف له ، والزهد فيما نحن فيه . قال : ولم يسمعها الحسن وقد سمعتها أنا وكنت أقرب إلى عنبسة من الحسن ، وجعل الحجاج يذاكرهم ويسألهم إذ ذكر علي بن أبي طالب فنال منه ونلنا مقاربة له وفرقا منه ومن شره ، والحسن ، ساكت عاضّ على إبهامه ، فقال : يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا ؟ فقال : ما عسيت أن أقول ؟ قال :